مدون مدون

آخر المواضيع

جاري التحميل ...

حكاية الزوجين الصامتين

سأروي لكم اليوم حكايةً تناقلتها ثقافات العالم من شرقه إلى غربه ... و من جنوبه إلى شماله ... روتها الأجيال جيلاً بعد جيل تماشياً مع لغاتها و أعراف مجتمعاتها... الحكاية و بكل طرافةٍ تحذرنا من أن ازدراء بعضنا البعض قد ينسينا واجباتنا المتبادلة ... و يجعلنا لقمة سائغةً لمن أراد أن يسلبنا ما نملك.
و هنا نبدأ الحكاية ...
كان يا ما كان .. في زمانٍ من الأزمان .. و في ما روى الُرواة يا سادة يا كرام ..في قرية من القرى الوادعة, عاش شابٌ وُصف بأنه أكثر الرجال بلادة على وجه الأرض ... قد بلغ مبلغاً عظيماً من البدانة... أحبَ فتاةً كانت أكثر العذارى جمالاً في تلك القرية مع أنها كانت أثقل من سار على قدمين ... و كان قدراً محتوماً أن يجمعهما عش الزوجية, لينطبق عليهما المثل العربي القائل "وافق شنٌ طبقة"
جاء حفل الزفاف بحلته الوردية و ألوانه الزاهية... و كانت الفرحة تغمر العروسين و هما يرقصان على أنغام الزفاف السعيد حتى ظن الضيوف أنهما سيودعان بلادتهما المعهودة بوداعهما دنيا العازيين و دخولهما القفص الذهبي ...

أقام العروسان السعيدان وليمةً كبيرة في منزلهما الجديد على أطراف القرية  ... و بعد أن قضى الأصدقاء على آخر طبقٍ من أطباق الطعام غادروا المنزل الواحد تلو الآخر.
انهار العروسان على مقعديهما من كثرة التعب و لم يتمكنا إلا من خلع حذاءيهما عندها لاحظ الزوج أن آخر الضيوف غادر دون أن يغلق الباب.
قال الزوج بوداعة المتثاقلين "عزيزتي ... لو سمحتِ ... هلّا تقومين و تغلقي الباب لتمنعي دخول تيار الهواء ... إنني أشعر بالبرد"
قالت الزوجة و هي تتثاءب "عزيزي ... لماذا لا تقوم أنت و تغلقه ... أنا واقفةٌ عل قدمي طوال اليوم و لم أجلس إلا الآن"
قال الزوج و هو يعض على شفتيه "إذن هذا ما تريدينه ... بمجرد أن وضعتِ خاتم الزواج تحولتِ إلى امرأة كسولة".
صاحت الزوجة "كيف تجرؤ على ذلك ... لم يمضِ على زواجنا إلا مجرد يوم واحد و ها أنت تصفني بصفات سيئة ... و تنعتني بألفاظ قبيحة و توجه إلي الأوامر ... ما ظننتُ أنك ستتحول إلى مثل هذا النوع من الأزواج"
قال الزوج متذمراً "رجاءً أصمتي ... فلن أقوى على سماع شكواكِ و تذمرك.
قالت الزوجة "و أنا كذلك لن أنصت إليك و أنت توجه إليّ الانتقادات"

جلس الزوجان على مقعديهما متقابلين و الهواء البارد يلفح وجهيهما بعد أن شب بينهما ذلك الشجار الذي لم يكن إلا بسبب ذلك الباب المفتوح ... و بعد دقائق خطرت للعروس فكرة.

قالت العروس "عزيزي ... أنت لا تريد أن تغلق الباب و أنا لا أقوى على ذلك ... و كلانا لا نريد سماع الآخر ... فما رأيك  بمسابقة تحل هذه المشكلة.
قال الزوج "نحن متعبان و أنت تتكلمين عن المسابقات ... هيا هاتِ ما لديك أيتها  العبقرية.
قالت الزوجة " لا تبدأ بالسخرية من أفكاري أيها ال ... عموماً المسابقة تتلخص بأنه من يتكلم أولاً يقوم بإغلاق الباب.
قال الزوج "إنها أفضل فكرة سمعت بها حتى اليوم ... هيا لنبدأ الآن"
و بدأت المسابقة و جلس الزوجان متقابلين دون أن يقولا أية كلمة... و ما زال الهواء البارد يلفح وجهيهما ...
مرت ساعتان و هما على نفس الحال ... حتى جاء لصان يقودان عربة صغيرة و رأيا الباب مفتوحا ... فتسللا إلى المنزل الذي كان مؤهلاً للسرقة ... و لم يدركا وجود الزوجين ... و بدأ اللصان يسرقان كل شيء استطاعا حمله ... أخذا الطاولات و الكراسي و اللوحات و قاما بطي السجاد من على الأرض ... و رغم ذلك لم ينطق الزوجان بأية كلمة ... و لم يصدرا أي صوت.
قالت الزوجة لنفسها "لماذا لم يقم هذا البليد بالهجوم على هذين اللصين أو حتى بطلب المساعدة ... سيبقى مكتوف الأيدي حتى يسرق اللصان كل شيء"
تعجب اللصان من الصمت  فنظرا حولهما ليجدا العروسين القابعين في صمت ... فرمقاهما بنظرة استغراب و سخرية ... و بسخريةٍ سلبا  مجوهراتهما و ساعتيهما و حتى محفظة النقود ... و لكن ... لم يصدر أي من الزوجين صوتا.
سارع اللصان بالهرب من المنزل بغنيمتها ... و استمر الزوجان على نفس الحال طوال الليل حتى حل الفجر و الهواء البارد يلفح وجهيهما.
و عند الفجر مر أحد رجال الشرطة بجانب المنزل و وجد الباب مشرعاً و لكن لم يسمع أي صوت. اقترب الشرطي بكل حذرٍ من المنزل ثم دخل  و تفاجأ بوجود رجلٍ يجلس على كرسي و أمامه امرأة في منزلٍ خالٍ من الأثاث فقال له "من أنت؟ ... هل هذا بيتك؟ ... ماذا حدث لأثاث المنزل؟" ... و انتظر الشرطي حتى يسمع الرد و لكن هيهات له ذلك و هنا رفع الشرطي يده ليضرب الزوج ...

رأت الزوجة الشرطي و هو يحاول ضرب زوجها فوقفت على قدميها و صرخت على الشرطي "كيف تجرؤ ... إنه زوجي إياك أن تلمسه حتى لا تندم على ذلك"
هنا و بكل سرور و فخر صاح الزوج "لقد انتصرتُ ... لقد فزت" مصفقاً بيديه من الفرح و قال لزوجته "الآن اذهبي و أغلقي الباب"
قالها غير مكترث لأمر اللصين الذين سرقا ما استطاعت عربتهما حمله ... و لا الهواء البارد الذي كان يلفح وجهيهما ... بل كل ما طغى على تفكيره في تلك اللحظة هو انتصاره على زوجته و يال انتصار الكسالى ...

أجل يال انتصار الكسالى ... إنها الرمزية التي اختبأت بين سطور حكايتنا تلك ... تضيع الأنفس و الأموال و حتى الأوطان أمام نواظرنا و نحن لأتفه التفاهات نزدري بعضنا البعض ... اجل نحن (الــ...) تركنا الباب مشرعا (للـ...) ليستولوا على (......) فإلى متى سنظل متفرجين ... و تمت الحكاية و لم تتم ... و دمتم سالمين

عن الكاتب

Abu-Yumna Al-Shammakhi

التعليقات



إتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة

مدون